قصيدة يامحلا ياعبيد في وقت الاسحار

قصيدة يامحلا ياعبيد في وقت الاسحار القائل هو الشاعر الشيخ تركي بن صنهات بن حمد بن حميد العتيبي

الشيخ تركي بن صنهات بن حمد بن حميد من المقطة من قبيلة عتيبة ولد في العقد الثاني من القرن الثالث عشر الهجري بالقرب من عشيرة شمال الطائف

وهو الشيخ الفارس الشجاع اشتهر -رحمه الله- بالفروسية والكرم والتدين وحنكة القيادة والوفاء والصدق والأمانة

وكان إنساناً شهماً ومحبوباً لدى الجميع، ويعتبر أحد رموز الشعر العامي في نجد تميزت قصائده بقوة المعنى وجزالة اللفظ والسلاسة وجمال الأسلوب، وكثرة وصفه لدنيا، وتميز أيضاً بالقوافي الصعبة وبالحكمة القوية المعبرة نظراً لما وهبه الله من رجاحة عقل كبير، وما يتمتع به من تجارب كثيرة في مجال الحياة الواسعة

وعندما نستمع إلى قصائده نجد فيها إيمانه العميق بربه -عز وجل- وكذلك حثه على مرافقة الأخيار، والنصح والإرشاد من رفقاء السوء، ونجد الكثير من الفوائد في أشعار هذا الفارس والشاعر المشهور

و يذكر الرواة دائماً قصائده في مجالس الرجال ويكون لها الأثر البالغ على نفوس الناس نظراً لوجود الفائدة والحكمة والموعظة في أغلب أشعاره التي تحث على مكارم الأخلاق، وكذلك في وصف شبة النار، والسفر، والقهوة، والحث على دعوة الجاركما وثق من خلالها أحداثاً عاصرها فتناقلها الرواة ودونت في المجاميع الشعرية

كانت وفاته رحمه الله في عالية نجد عام1280هـ ودفن قرب بلدة ضرية في موضع سمي بسناف تركي

اشتهرت قصيدته يا ما حلا يا عبيد في وقت الأسفار بين الرواة ودونها كثيراً من جماع الشعر في المجاميع الشعرية ولذلك نجد اختلافاً في بعض المفردات وعدد الأبيات وترتيبها من مصدر لآخر، ولكن ما جاء في مخطوط الربيعي فقد بلغ عدد أبيات النص ثلاثة عشر بيتاً

وقد بدأ الشاعر قصيدته مخاطباً ابنه عبيد (وهو فارس شهير يلقب بالمعترض) مؤكداً أن أجمل ما يطيب لنفسه أن يمد له فراشاً يجلس عليه ويوقد ناراً في الصباح الباكر وأن توضع الدلة (وهي الإناء الذي تصنع فيه القهوة) إلى جانب النار وأن يكون النجر (الهاون النحاسي) الذي تدق فيه حبوب البن المحمصة، يصدر صوتاً هو أشبه بصوت البكاء الحزين المتزايد والذي يستقطب به عابري السبيل والجيران ولم يلفه يوماً بقطعة قماش حتى لا يظهر صوته بل يجعله نداء قوي يدعو به الضيوف والجيران إلى مجلسه المفتوح عندما لا يوقد الرجل البخيل ناراً ولا يدعو جارا

ثم يذكر أن أفضل من كل هذا صلاة ركعتين في آخر الليل قبيل الفجر وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم لمن ذهب عمره ولم يكتسب فيه الطاعات والتقرب لله بالنوافل وقد ربح من تعبد الله في هذا الوقت وسيجد ثمرة ذلك عندما تعرض الأعمال يوم القيامة

ثم يوصي بالاهتمام بالجار وأن يعامله معاملة حسنة بما يحفظ له مكانته واحترامه وإن حصل منه خطأ أو تعدي فيتجاوز عنه ويصفح فقد أوصى محمد صلى الله عليه وسلم بالجار محذراً من مخالفة وصية النبي صلى الله عليه وسلم

ثم يوصي ابنه ان يختار مرافقة الرجل الصالح صاحب الدين القوي الذي يؤتمن على الأسرار وسيجد نفع ذلك عندما يحتاجه في وقت الشدائد، ليؤكد أن ميل النفس للشهوات والفساد جالب للشرور وأن من يتعدى على محارم الناس فسيأتي اليوم الذي يتعدى فيه على محارمه، وأن عليه أن لا يصاحب رديء الأصل فلا جدوى من مصاحبته وليس فيه صفة من مروءة، وعليه أن يفارقه داعياً بهلاك هذا النوع من الرجال

ثم يأمر ابنه أن يدرك معاني هذه الوصية ويحفظها وهو الكريم الأصل الرفيع المنزلة بين قومه ويدعو له بالسلامة الدائمة واصفاً إياه بالصقر النادر الذي ينسب إلى هضبة غيمار في نجد

ويختتم قصيدته بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون ذلك بعدد الغارات التي تشن مما يمنحنا تصوراً عن حياة بدو الجزيرة العربية وأنهم لا يرون أكثر من شن الغارات والغزو في حياتهم اليومية.

يا ما حلا يا عبيد في وقت الأسفار
جر الفراش وشب نار المناره

مع دلةٍ تجذا على واهج النار
ونجرٍ إلى حرك تزايد اعباره

والنجر دق وجاذبٍ كل مرار
ما لفه الملفوف من دون جاره

في ربعةٍ ما هيب تحجب عن الجار
لا من خطو اللاش ما شب ناره

وأخير منها ركعتينٍ بالأسحار
لا طاب نوم اللي حياته خساره

تلقاه في يومٍ يضيعن الأفكار
يومٍ على المخلوق ما اطول نهاره

وقم في قصير البيت حشمه ومقدار
لو جار فادمح له عيوبه وداره

ترى النبي وصى على الجار لو جار
خذ الحذر يا عبيد عقب النذاره

ورافق قوي الدين حفاظ الأسرار
ينفعك في يومٍ يجي به كراره

وترى الهوى والغي للشر جرار
ومن داس عار الناس داسوا لعاره

وجنب ردي الخال ما فيه تعبار
ما فيه من فعل المناعير شاره

جنب عنه جعله لقصاف الاعمار
وأحفظ وصاتي يا رفيع المناره

واسلم ودم بالخير يا طير غيمار
وصلوا على المختار ما غار غاره

ومما قاله من قصائد الحكمة نقتطف هذه الأبيات الشهيرة التي تناقلها الكثير من الرواة نظراً لما تتميز به من حكم هادفة، وكلمات مفيدة:

من لا يدوس الراي من قبل ما ديس
عليه داسواه العيال القرومي

أشوف عدلات الليالي مقاييس
ولحدن من الدنيا عظامه سلومي

ومن لا يقلط شذرة السيف والكيس
يبدي عليه من الليالي ثلومي

ومن لا خذا الدنيا بميز وتقييس
مثل الذي يسبح بليل يعومي

والقصر ما يصلح على غير تأسيس
ومن لا تعلم ما تسر العلومي

إلى توافق مشور السو وإبليس
تبر منه وعز ربي يدومي

ومن أشعار تركي بن حميد هذه القصيدة في الدنيا وهي مليئة بعبارات النصح والإرشارد والحث على إتباع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف:

فكر وناظر يا محمد ترى الحال
نفسي وتاليها مع الله خبرها

العين كن لها عن النوم عذال
تسهر وغادن نومها عن حجرها

والكبد ما تقبل من الحلو فنجال
والمر لو هو عشرق ما نقرها

دنيا هيال ولا لحقنا لها جال
وأزريت أميز سهلها من وعرها

كان أقبلت ياحلو هاك التبهلال
وإن أدبرت سواً على اللي حضرها

ماظن فيها واحدن داله البال
إحفظ لدينك وأنتبه عن خطرها

تراه مثل الفي لابد ينزال
والشمس هي ويا القمر من فكرها

الحق ينكر والتفاخر بالأموال
لاهين في غفلاتهم في دورها

كم فرقت من دولة عاشة أجيال
وإلى ومرها الله عطتهم نحرها

فعال نو الخير لاموه الانذال
كثرت تخاليف العرب في صورها

يالله يا عالم خفيات الاحوال
ياللي ذنوب العبد لاشا غفرها

طالبك أنا الجنة وحسنى بالاعمال
تقدر تفرجها إلى جا قدرها

وله هذه القصيدة يرثي أخاه، ويذكر جور الدهر وتقلباته:

ذا قول من هوجس ومن باح ما خفا
من عبرة بالصدر يبح كنينها

من عبرة كنيتها تفرك الحشا
محال حضر في يدي شاغلينها

تدور الدواير بالليالي وغرني
سريع ترددها وصكة سنينها

دنياك لو هي ساعفت يوم كدرت
غيور تحل الحيل ومفارقينها

على الرغم لوهي بالتمني وبالهوى
جري المغربل والعرب عارفينها

على مسايرها كثير همومها
وعلى شين جيرتها العرب عاشقينها

ومن شاف في كسر الليالي أو جبرها
هي المنجل الخافي جفاها ولينها

لو كان هي توريك يوم مسره
صفق موج بقعا لين تملا جرينها

مخلوطة عسر الليالي أو يسرها
صروف الليالي دققت في طحينها

دنياك لو رادك يوم بطريه
صفق موج بقعا لين تملا جرينها

كم خير يجلي الصدا عضه البلا
تضحك له الدنيا وتخفي رطينها

يا طالب الدنيا وهي تستغرك
كم فرقت من مرضع عن جنينها

وجربت في حلو الليالي ومرها
وأزريت أميز هزلها من سمينها

المراجع والمصادر

العديد من كتب التراث وحياة البادية قديما وافواه الرواة مع اختلاف بعض التفاصيل بينهم